رواية الشطرنجي ….للاديب خالد السروجي

ابدأ بهذه الكلمات التي جاءت على لسان كاتبها؟ أى سحر موجود بالشطرنج؟؟؟ إن من يصاب بداء الشطرنج لا يستطيع فكاكاً منه.. إنه يستحوذ على الإنسان أستحوذاً كاملاً.. خاصة إذا كان موهوباً.. فيتحول إلى الشئ الأساسى فى حياة لاعبه.. بل يكاد البعض أن يهب له حياته.. لقد عرفت بعض اللاعبين الموهوبين؛ منهم من ترك حياته الجامعية ليتفرغ له، ومنهم من اهمل أسرته من أجله، ومنهم من انفق من أقوات أسرته -رغم فقره- فى شراء مراجع غالية الثمن *كل ما أعرفه هو أننى أشعر بأننى أمارس حياة كاملة أثناء لعب الشطرنج.. تنطلق خلالها مشاعرى وأفكارى لتتجسد من خلال نقلات فى أفعال وخطط وروئ بعيدة المدى

*رواية الشطرنجي ………عالم مكون من لونيين.. الأبيض والأسود

بينما شخوصه تتحرك داخل رقعة / دولة الشطرنج ولا مجال للعشوائيات والصدف/ .. أن تطأ قدميك خانه ما فعليك أن تعلم أن لكل موقف في الشطرنج عدة احتمالات والرد على كل احتمال بعدة طرق  »

إن هذا البطل  » الشطر نجى  » يختلف كل الاختلاف عن كل ما قرأناه من أبطال روايات أخرى .. بطل أعطى حياته كلها لرقعة الشطرنج .. لا زوجة ولا أبناء , كل ما يشغل همه هو الشطرنج , الشئ الأساسي في حياته وما عداه أشياء هامشية تكتسب أهميتها من كونها مرتبطة من قريب أو بعيد بالشطرنج .. شخص ربما نجده غريبا بعض الشئ وربما كان أكثر عمقا وواقعية منا نحن ونكن نحن الغرباء

جهّل الكاتب اسمه عن عمد, ربما ليعمم تجربته على جيل كامل واكتفى طوال الحدوتة الشطرنجية بأن يلقبه بالشطرنجى, والشطرنجى اختار أن يحيا رقعة الشطرنج فقط واختزل الرقعة الواسعة / الحياة برقعة محدودة المربعات والمساحات / الشطرنج وربما كانت الرقعة الشطرنجية أكثر رحابة واتساعا من الحياة – في نظره – كي يحلق فيها كحصان أبيض مجنح .. يرى دوما أن الشطرنج معادلا موضوعيا للحياة ..

منذ تعلم الشطرنج في الثامنة من عمره على يد أباه وهو يسعى للفوز دوما , فيندفع إليه بشهوة هجومية تستولي عليه فينسى إحكام دفاعاته , حتى أن أباه اكتشف هذه الشهوة للعب الهجومي فكان يحذره :

 » أنت تندفع بشدة للهجوم وتنسى التأمين الكافي لدفاعاتك فانتبه .

لكنه لم يفقد أبدا هذه الشهوة الهجومية .. وفى أول بطولة شطرنج له على مستوى الناشئين تمكن من الفوز بسهولة مطلقة دون هزيمة أو تعادل  » باطة  » وكان يصر على رفض خصمه للباطة .. كانت كلمة التعادل هذه تثيره ويعتبرها كالهزيمة , هكذا استطاع أن يفوز بذات البطولة للعام الثاني والثالث على التوالي وهذا الفوز جعل الأوساط الشطر نجية تلقبه ب  » ألخين الصغير  » نسبة إلى اللاعب الروسي العظيم .. ولم يتخل الشطر نجى أبدا عن شراسته الهجومية ورفضه للباطة وكان لا يرضى بديلا عن الفوز

وحينما كان يلاقى في المسابقة لاعبا ضعيفا لم يكن يستطع مقاومة الرغبة في التلاعب به مؤجلا نقلة  » الكش مات  » التي تصبح في متناول يده عدة مرات خلال الدور , وكان والده يعتبر ذلك العمل غير انسانى وخطيئة شطر نجية وكان ينهره بشدة :

 » إذا رأيت نقلة الكش مات فلا تؤجلها فقد ينقلب عليك الدور  »

الملك الأسود :

لم يكن الملك الأسود سوى شوكت ناظم , ذلك التركي الملامح وابن ناظم بك العضو السابق في البرلمان ومدير إحدى المصالح والرجل الفاحش الثراء

كانت بدايته مع شوكت في البطولة الثانية للناشئين , يومها لفت نظره ملابس شوكت الأنيقة وسيارة أباه ناظم بك ولم يمنع نفسه من المقارنة بين ملابسه وملابس شوكت وبين والده الموظف الصغير في السكة الحديد وناظم بك والد شوكت , لم يشعر بالارتياح لهذه الملامح التركية , كما أن ناظم بك كان عضوا بارزا بحزب الأحرار الدستوريين بينما والده كان وفديا حتى النخاع .. وفى المباراة النهائية كان لزاما عليه أن يهزم شوكت , كان والده قد قال له بحزم لا يخلو من تهديد « لابد أن تهزم شوكت »

والأب هنا يبرر هذا الطلب وهذا الحزم مع ابنه  » لقد أخذوا كل شئ المال والسلطة والبرلمان ويريدون الآن أن يأخذوا الشطرنج

وفاز الشطرنجى .. إنه بفوزه هذا قد انتصر لنفسه ولأبيه ولكل البسطاء الذين يشبهونه من هذا الاستعماري البغيض ذو الملامح التركية البيضاء المحمرة .. كان لابد أن يفقده شرعية وجوده حتى وإن كان داخل الرقعة الشطرنجية فقط …

وفى السنوات التالية أدمن الفوز على شوكت حتى أطلقوا على شوكت لقب الملك الأسود

قدر القط والفأر :

لابد للقط من فأر وللفأر من قط حتى تستمر اللعبة داخل دولة الشطرنج , فقد دخل الاثنان  » شوكت والشطرنجى  » نفس الكلية / التجارة , وناظم بك قد استأجر لشوكت مدرب شطرنجي قدير وهو مصمم على ضرورة أن ينتزع ابنه أية بطولة من الشطرنجى حتى لا يظل لاعب ثان أو وصيف , أما هو فكان والده لا يزال يدربه بنفسه , كان يدرك أن شوكت يتميز عليه في كل شئ إلا في الشطرنج ولم يكن ليسمح له بذلك , وحينما جعلت القرعة شوكت يلعب بالأبيض أي أعطته ميزة المبادأة الهجومية , ضايقه هذا لكنه لعب بروح الأبيض الهجومية حتى انتصر عليه بعد تطبيق نظام النقلة السرية , وبعدها فاجأ شوكت الجميع وهرب مع أبيه لفرنسا بعد أن صادرت الثورة أملاكهم ولكن بعد أن نجح أباه في الهروب بما تبقى من أموال خشية مصادرتها وفر كفأر جبان خائب

حصان أبيض مجنح :

كان لابد له من أن يلتقي  » ليلى  » بأول من يحب .. إن مثله ممن أدمن الانتصارات أصبحت الانتصارات والفوز شيئا عاديا بالنسبة له , فقد انتصر لنفسه ولأبيه وجاء الدور كي ينتصر لفتاته  » ليلى  » النموذج الأول الذي قابله وجذبه خاصة مع جمالها الشاذ والاستثنائي في حارتهم .. كان مشدودا إليها بشكل قاهر يتخيلها دوما حصان أبيض مجنح .. بينما  » ليلى  » ترى أن السيارة أفضل من الحصان المجنح

إنها ابنة بيئة شعبية طحنها الفقر حتى تعبت منه , لا تؤمن بالأحلام , لذلك فهي تراه خيالي  » الشطرنج أثر على تفكيرك  » , بينما هو لا يرى عيبا في ذلك فالشطرنج يسمح له أن يكون ملكا أن يسيطر على كون مصغر يكون هو سيده إن هذا المقطع من الرواية تحديدا من أعمق المقاطع وأكثرها ثراء رغم الفقر المدقع إنها علاقة محكوم عليها بالفشل حتى وإن تأخر المصير نتيجة جرعة ذائدة من الحلم  » ليلى  » تريده بطلا وغنيا متذرعة بتعبها من الفقر , لذلك كان الغنى شرطها الوحيد للاستمرار في العلاقة , لكنهما ظلا مستمران في العلاقة يتبادلان الرسائل عن طريق  » شبكه  »

النكســـــة :

وسافر الشطرنجى للجبهة فكانت الهزيمة ووحدها الهزيمة هي القادرة على شل تفكيرنا ومسخنا وتحويلنا إلى أشخاص آخرين لا يشبهوننا .. جاءت تجربة النكسة المريرة فأصبت مصر كلها بحالة من الشتات والعجز العام .. لم يستطرد السروجي في تفاصيل تلك التجربة الأليمة ولم يتلذذ في نبش جرح طالما نبشه كل من يتكلم عن تلك اللحظة / النكسة , لكنه تعمد هنا أن يمر عليها سريعا مستعرضا فقط ردود أفعال شخوصه رافضا أن يعلق مسؤولية ما حدث في رقبة الزعيم جمال عبد الناصر  » الملك الأبيض المجنح  » بل جعله بريئا تماما من تلك المسؤولية وألقاها على عاتق الوزير الذي أعطى أوامره بالانسحاب ..

 » ليلى  » تغيرت، فلم يعد هو البطل في نظرها كما كان بل كان عسكريا مهزوما صامتا دوما وانتهى كل شيئا بينهما .. ضاع الأمل الأخير له  » ليلى  » وسرعان ما أدرك أن الذي خطفها هو شوكت وليس شخصا أخر , كانت ليلى تكذب عليه محاولة تخفيف الصدمة علية .. لكنها كانت النهاية , لازال الفأر يستمتع بلعبته لكن القط لم يكن كما كان سابقا, سافرت  » ليلى  » لشوكت وتركت الشطرنجى وحده

باطة :

ما الذي حدث لهذا البطل الذي كان دوما يكره كلمة  » الباطة  » أو التعادل تحول إدمان التعادل وحب الباطة .. فقد تماما كل رغبة في الفوز والانتصار وكره كذلك لفظ البطولة , حتى لا يقال عنه بطل شطرنج بينما النكسة لازالت جاثمة على الصدور ..

عودة الملك الأسود :

إن ذكاء خالد السروجي في أنه لم ينه هذه القطع الشطرنجية تماما , بل كان يواريها قليلا حتى تستعد فلم تزل لهذه القطع نقلات أخرى لم تؤدها وأحداث أخرى تشارك فيها .. فشوكت بعد زواجه بليلى لم يبتعد كثيرا فسرعان ما عاد للرقعة ملكا أسود شرس بعدما أكل الكثير والكثير من القطع الأخرى الهزيلة بينما  » شبكة  » هذا العسكري الأبله النحيل عاد هو الأخر فيلا ضخم من أثر الانفتاح الاقتصادي ..

لماذا مت ياعبدالناصر؟

لم يبق ممن يحب سوى عبد الناصر , فقد مات الأب ورحلت ليلى إن الشطرنجى حينما يحب يحب كما ما لم يحب أحد من قبل وحينما رحلت ليلى لم ينسها كذلك عبد الناصر  » الملك الأبيض  » بعد رحيله فجأة يشعر الشطرنجى أنه أصبح وحده .. وللمرة الأولى في حياته كان يصرخ في احتياج لماذا مت ياعبدالناصر ؟

التيه :

لم يكن بغريب على هذا البطل الشطرنجى الذي أختزل العالم في شخوص معينه أن يشعر بالتيه والوحدة بعد فقدهم فماذا تبقى له سوى العزلة ومرارة الفقد وشعوره بالعجز وحده داخل دولة الشطرنج , رحل عبد الناصر و » ليلى باعت أو خانت أـو استسلمت والوالد مات كذلك , و الرقعة خالية ممن يحب .. حينها ينكفئ الشطرنجى على دولته الشطرنجية التي لا يحتلها سوى قطعة الملك الأسود الذي ابتلع معظم مساحات الرقعة .. ولم يبق سوى شريط من الذكريات يمر عليه ليزيد من أثقاله يتذكر لحظات الدفء والانتصارات والهجوم

Pour marque-pages : permalien.

Les commentaires sont fermés.