أبطال العالم في الشطرنج: تيجران بيتروسيان Tigran Petrossian


أبطال العالم في الشطرنج
تيجران بتروسيان ( النمر في جلد الأرنب )بقلم : سمير منصور


 » إن انجراف أنماط اللعب السائدة للاعبي الشطرنج السوفييت في فترة الأربعينات للأساليب التكتيكية جعلني أبدأ رحلة البحث عن البديل الموضوعي لموازنة منطق اللعبة والذي أصبح هشاً جراء الفعالية التكتيكية للقطع والتي لم تكن تقابل بصياغة موقفية متينة أو توفير فرص لعب مضاد على الأقل في المعسكر الآخر « . هكذا تحدث تيجران بتروسيان عن بداية تشكل أسلوبه الخاص في لعب الشطرنج وكيف تطور وأصبح حامل راية اللاعبين الموقفيين في زمن ازدهرت فيه التحضيرات التكتيكية والخطط الديناميكية في أنحاء الاتحاد السوفياتي بل والعالم أجمع.
ولد تيجران بتروسيان في 17 / حزيران / 1929 في مدينة تبليسي بجورجيا لوالدين أرمنيين وبدأ يتعلم الشطرنج قبل أن يكمل العاشرة من عمره، وجاء أول ظهور رسمي له في عام 1946، وبعد أداءه الرائع أمام فلور، توجه بتروسيان إلى بلاده أرمينيا ليلعب بطولة أرمينيا الرسمية ويفوز بها دون أي مقاومة تذكر من لاعبي أرمينيا الهجوميين الذين فوجئوا به وبأسلوبه الاسفنجي الذي يمتص اعتى الهجمات!في عام 1947 حصل بتروسيان على أول لقب له (أستاذ دولي) من خلال مشاركته في بطولة الاتحاد السوفياتي والتي جرت في موسكو بمشاركة أقوى لاعبي الاتحاد السوفياتي آنذاك. إن أداءه العنيد في هذه البطولة جعل خبراء اللعبة يشدون على يديه ويشجعونه للبقاء في موسكو » معقل الشطرنج » ليثمر إمكانياته الخلاقة في الشطرنج من خلال مشاركاته في بطولات الأساتذة والتي لم تكن تهدأ يوماً في العاصمة موسكو.

وهناك …بقى بتروسيان في موسكو وأثبت يوماً بعد يوم رجاحة آراءه في الشطرنج وعلى الأخص مقابل الذين انتقدوا أسلوبه في الأداء، والذين لم يعرهم بتروسيان أي اهتمام ومضى يعمق في رؤيته للعبة ويطور من أسلوبه الصلب حتى أطلق لاعبي موسكو عليه  » الصخرة التي يصعب زحزحتها  » لعنايته الشديدة بالتشكيلات البيدقية، وأناقة توزيع قطعه على الرقعة وتقييمه العالي لاستراتيجية وسط الدور حتى قيل إن بتروسيان كان يرى الخطر على الرقعة قبل حدوثه بعشرين نقلة!!

تأثر بتروسيان كثيراً بأفكار اللاعب الخلاق « ارون نيمزوفيتش » واعتبر كتابه الأميز « أسلوبي » المرجع الأصيل لفكر الشطرنج الصافي، ولطالما كان ينصح الواعدين بدراسته جيداً قبل الخوض في غمار المنافسات، واعتبر بتروسيان نفسه وريثاً شرعياً لأفكار نيمزوفيتش ومكملاً لما بدأه الأخير ومطبقاً نموذجياً له حتى لقب في كافة الاتحاد السوفياتي  » كابابلانكا الاتحاد السوفياتي ».

ولعمري إن هذا أغلى لقب يمكن أن يحصل عليه لاعب شطرنج في الاتحاد السوفياتي آنذاك خاصة وأن لاعبي الاتحاد السوفيتي كانوا يذكرون كابابلانكا دائماً في نواديهم ومدارسهم وحدائقهم بكثير من الفخر والاعتزاز.

ويوماً إثر يوم أصبح بتروسيان يكرس لنفسه خطاً مختلفاً في لعب الشطرنج من خلال دراسته أدوار السابقين من أبطال العالم ووضع اليد على التقنية التي كانوا يربحون بها أدوارهم حتى استدل شيئاً فشيئاً على النمط الأمثل لأداء أي دور نموذجي ضد أي لاعب بقوة بطل عالم للشطرنج.

ولئن طموحه بلا حدود … فقد أخذ يفكر في الظفر ببطولة العالم بعدما تهيأت له كل الأسباب والرؤى الفنية لذلك يقول بتروسيان في مذكراته الشخصية بخصوص ذلك:
« طبعاً لم تكن الطريق إلى بطولة العالم مفروشة بالورود بل كان الحصول عليها بحاجة الى تجميع حتى أدق التفاصيل الصغيرة المتعلقة فنياً ونفسياً بالخصوم الذين كانوا يتسابقون معي إليها ».

وبدأت رحلة بتروسيان إلى اللقب الأغلى عام 1951 حين شارك في بطولة الاتحاد السوفياتي التاسعة عشرة التي ضمت أقوى لاعبي العالم آنذاك (بوتفينيك الامبراطور، وكيريس الديناميكي المرعب، وسميسلوف الفيلسوف، وبرونشتين القادم من كوكب آخر). وفي عام 1953 حصل على المركز الثاني لنفس البطولة وأصبح له الحق بالمشاركة في بطولة الطامحين لبطولة العالم، ثم في بطولة زيورخ 1953 وامستردام 1956 ويوغسلافيا 1959 وأصبح الحلم وشيكاً بمقابلة الامبراطور بوتفنيك في مواجهة فريدة من نوعها على بطولة العالم بعد أن تخطى بأسلوبه البتروسياني البارع كلاً من برونشتين وسميلوف وكال في مباراة الطامحين إلى بطولة العالم.

وقبل أن تبدأ المعركة الاستراتيجية الأشهر في التاريخ بينه وبين بوتفنيك بدأت معركة التوقعات على الصفحات الرياضية لصحف الاتحاد السوفياتي قاطبةً وتوقع البعض انهيار بتروسيان وأسلوبه أمام بوتفنيك العتيد وآخرون توقعوا العكس إلا أن أجمل ماقيل بخصوص ذلك ماقاله الأستاذ الكبير ( افرباخ : لماذا لاننتظر مايفعله بتروسيان أمام بوتفنيك فأنا اعتقد أنه نمر متخفي بجلد أرنب!!

وعلى مسرح الموسيقى القومي في موسكو بدأت المعركة الحقيقية بين مدرستين عريقتين في الاستراتيجية الموقفية وانتهت بعد صراع دام ومؤثر تخلله الكثير من الضربات البتروسيانية الفنية القاضية التي فككت معسكرات بوتفنيك الصلبة ( 5: 12 ) لصالح بتروسيان ( 5 : 9 ) نقطة لصالح بوتفنيك.

وانهار بويفنيك الامبراطور واستسلم للأمر ليدخل بتروسيان لائحة الشرف لأبطال العالم ويرسخ اسمه وبأسلوبه في سجلات الشطرنج التاريخية كواحد من أعظم اللاعبين الموقفيين والمجددين لأساليب أداء الشطرنج والتي كان لها دوراً رئيسياً في نهضة الشطرنج وازدهاره في فترة السبعينات.
لم تقتصر إنجازات بتروسيان على ذلك بل عمد ليرسخ فلسفته الخاصة في الشطرنج بعقول الأجيال القادمة إلى التحضير لدرجة لدكتوراة برسالة شهيرة تدعى ( مشكلات المنطق والتفكير في الشطرنج ) وتعتبر بحق من أجمل وأعظم الكتب التي ناقشت قضية التفكير واستثناءاته في لعبة الشطرنج حتى اليوم.

توفي تيجران بتروسيان في 13 / 8 / 1984 وهو في أوج نشاطه الذي كرسه في أواخر عمره لخدمة الأجيال الصاعدة. بقي أن نذكر أن إحدى الصحف الرياضية الأرمينية كتبت تعليقاً معبراً لما قدمه هذا اللاعب الكبير للعبة الشطرنج إثر وفاته وكما يلي: « صبراً يا لعبة الشطرنج اليوم نعزيك بوفاة ابنك البار .. تيجران بتروسيان ».

Avec mots-clefs , .Lien pour marque-pages : permalien.

Une réaction à
أبطال العالم في الشطرنج: تيجران بيتروسيان Tigran Petrossian

  1. ouaissa yaacoub a écrit:

    je me demande pour les joueurs soviétiques qui sont les
    plus forts dans l échecs ont ils quelque chose de plus ?