ابطال العالم في الشطرنج : وليم شتاينتز Wilhelm Steinitz

سلسلة مفالات بقلم الاستاد سمير منصور انقلها لابنائنا للتعرف اكثر على ابطال الشطرنج العالمي وبعض ضروف نشأتهم. » »
ابطال العالم في الشطرنجوليم شتاينتز Wilhelm Steinitz(الشمس حين تشرق على كوكب الشطرنج)بقلم : سمير منصور.

 

عندما انتهت بطولة لندن الدولية عام 1862 وكانت تعد من أهم البطولات العالمية في ذلك الوقت، لم يكن هنالك من أمر فيها مثير للاهتمام أكثر من التفات الخبراء والمهتمين باللعبة إلى لاعب شاب يدعى « وليم شتاينتز » قادم من النمسا، كلحن جميل من فينا، بأسلوبه المتفرد وأفكاره الجديدة وابتكاراته المتألقة رغم أنه لم يحرز في هذه البطولة سوى المركز السادس.ولد وليم شتانيتز في 17 ايار عام 1836 في مدينة براغو النمساويه ومنذ نعومة أظافرة أظهر الطفل شتانيتز قدرات خاصة ومميزة بعلم الرياضيات والهندسة بل أنه أبدى استعدادا مذهلا في سن العاشرة لتصميم أشكالاً هندسية مثيرة للاهتمام وقدرة فائقة على استيعاب مناهج متقدمة بالرياضيات التطبيقية والهندسة الوصفية، وشيئاً فشيئا أصبحت الهندسة مثار اهتمامه وحلم طفولتة إلى درجة أنه أراد أن يختزل العالم كله بمعادلة رياضية.

لكن ذلك لم يستمر حيث شاءت الأقدار يوما لشتاينتز أن يتعرف على لعبة الشطرنج من خلال صديقين له إعتادا على ممارستها بالحدائق العامة، ومع مرور الوقت استولت اللعبة على خياله بابعادها التي تتجاوز محاورها الهندسية، وتشكيلاتها التي تتعدى حدود الخيال ولم يكد يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى تشكلت لدية رؤية خاصة عن اللعبة ونظرة ثاقبة سبقت زمانه فاتخذ لنفسه أسلوبا متفردا في اللعب ظل يشذبه ويهذبه مع الوقت حتى أصبح الأسلوب العلمي المنهجي لممارسة الشطرنج على أصوله، وأصبح شتاينتيز أقوى لاعب في النمسا خلال فترة قصيرة نسبيا، ولم يعد لاعبو الشطرنج في بلاده يشكلون له أي تحدي أو ندية، فشد رحاله الى مدينة لندن –معقل الشطرنج في اوروبا في ذلك الوقت– وخلية النحل التي تعج بالكثير من الأبطال المميزين.

إن حلمه الهندسي تبدل إلى طموحه بأن يصبح  » أفريست الشطرنج »، كيف لا وهو الواثق من اصالة أفكاره الثورية والتي يريد بها أن يغير عالم الشطرنج، من عالم يدور حول فكرة الكش مات بأي ثمن إلى عالم يدور حول مربع ضعيف سيولد الضغط عليه أخيرا طريقا ممهدا إلى الكش مات !! وعلى طريقة رومل العسكرية في الحروب الحقيقية (أقصر الطرق الى موقع العدو احيانا تكون خطا مستقيما واحيانا اخرى تجوب الصحراء كلها لتصل إليه)

وفي عاصمة الضباب، مكث شتانيتز عدة أيام ليرتب مع أحد أندية الشطرنج الشهيرة فيها لقاءاً مع اللامع « اندرسون » والذي كان يعتبر آنذاك اقوى لاعب شطرنج بالعالم.

كانت هذه الفرصة التي لطالما انتظرها شتانيتز طويلا ليطبق ابتكاراته الفكرية الفلسفية حول لعبة الشطرنج، ويثبت أصالتها لكثير من المنظرين المجادلين له والذين لطالما اتهموه بتطرف افكاره وغرابتها وقلة أهميتها العملية.

وبدأت معركة التحدي بين شتانيتز وأندرسون، في ظاهر الأمر كانت معركة بين بطلين بالنسبة للعالم أجمع، ولكنها في جوهرها كانت معركة بين شتانيتز وبين نفسه، معركة إثبات الذات والبرهنة على قوة التجديد الذي يؤمن به، وكان نظام اللعب يحدد الفائز بأول لاعب يصل الى الفوز الثامن.

رغم ان أندرسون فاز بالدور الأول والثاني إلا أن ذلك لم يثني شتانيتز عن عزمه بتحقيق هدفه الذي جاء من أجله (روح الحصان الأصيل المصر على عبور الصحراء)

وفعلها شتانيتز وفاز بالدور الثالث والرابع والخامس واستمر يكافح متسلحا بإيمانه العميق بأفكاره الأصيلة حتى تفوق أخيرا على أندرسون بنتيجة 8 أدوار له و6 أدوار لأندرسون.

ولم يقتصر إنجاز شتانيتز على ذلك فقط بل تم دعوته إلى مواجهة أبطال آخرين ومن شتى أنحاء أوروبا ، خاصة بعد تفوق تقنيتة الحديثة بالشطرنج وانتصار أفكارة على خبراء الشطرنج الكلاسكيين في مدن مثل لندن وباريس وبرلين، وهذه التقنية التي لفتت الإنتباه لأول مرة إلى التفاصيل الصغيرة على رقعة الشطرنج والتي لم يكن الكلاسيكيون يعيرونها أي اهتمام مثل المربعات الضعيفة، وعلاقة القطع بالتشكيلات البيدقية الناشئة وميزة الفيلين … الخ.

إنه يذكرنا بمواقف غاليلو عندنا كان يجادل ويشرح فكرة دوران الأرض حول الشمس ككوكب صغير جدا بدلا من اعتبارها مركز الكون !!!!

ولما لم يستطع أي لاعب أن يصمد أمام شتانيتز وأفكاره الأصيلة دعي مرة أخرى إلى مدينة نيويورك عام 1886 لمواجهة اللاعب المميز « زكرتورت » في أول لقاء رسمي على عرش الشطرنج في العالم.

وطبعا وافق شتاينيز وانتقل إلى نيويورك آملا ان يجد الفرصة المناسبة لأفكاره في الأرض الجديدة خلف البحار وخاصة بعد أن لفظته أوروبا الكلاسيكية المتحفظة ولم تستطع أن تستوعب أفكاره التي لاتتفق مع الإرث الكلاسيكي لها.

وبدأت المواجهة المثيرة بين شتانيتز وزكرتورت والذي كان يمني النفس برد الاعتبار لمعلمه الكبير « اندرسون » وبلغت الإثارة أوجها عندما استخدم التلغراف لأول مرة في نقل الأدوار الملعوبة عبر المحيط الاطلسي الى أوروبا نقلة بنقلة، وزادت الإثارة أكثر حين تفوق زكرتورت في أول خمسة أدوار على شتانيتز بنتيجة 4–1.

ياللهول ! ما اصعب موقف شتانيتز حتى هذه اللحظه وأي حصان أصيل سوف يتجاوز هذه الصدمة، لكن الأفكار الجديدة لها دوما آفاق أبعد من أن تصله مركبات خيالنا، إنها أفكار شتانيتز التي جعلته يقلب الطاولة على زكرتورت المتعصب لتعاليم أستاذه، ليتفوق شتانيتنز بالنهاية 10–5 انه الإعجاز بعينه.

في عام 1892 تعرض شتانيتز إلى صدمه هائلة بوفاة زوجته وابنته الكبرى بنفس العام، الأمر الذي أصابه بالاكتئاب الشديد، وكان هذا من أهم أسباب خسارته فيما بعد لبطولة العالم أمام اللاعب الكبير إمانويل لاسكر عام 1894 في موسكو وبنتيجة غير متوقعة 2-10.

وعاد الأسد الجريح إلى نيويورك وهو مقتنع أن الاستمرار بلعبة الشطرنج بهذا الوضع هو ضرب من العبث، ليترك اللعبة نهائيا بعد ذلك خاصة وقد سيطر عليه مرض الاكتئاب وأخذ منه كل مأخذ.

في 12 آب 1900 وفي مستشفى ناءٍ في أحد ضواحي مدينة نيويورك توفي شتانينز وحيدا منسيا بعد أن أثرى عالم الشطرنج بأفكاره النيرة والتي مازالت حتى اليوم تعتبر منهجا لصناعة أبطال الشطرنج حول العالم.

كتب احد الصحفيين في ذكرى وفاته ذات يوم ما « هذا الرجل الذي حطم عشرات الأبطال في أوروبا، ستصنع أفكاره بالمستقبل أبطالا لا عدد لهم !!!! »

 

Avec mots-clefs .Lien pour marque-pages : permalien.

Les commentaires sont fermés.